حبيب الله الهاشمي الخوئي
365
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بعقول السفهاء . وليس المراد نفى مطلق السبب للعصبيّة ، لما قد مرّ في شرح الفصل الأوّل والثالث من الخطبة من أنّ سبب تعصّبهم وثوران الفتنة بينهم هو اعتزاء الجاهلية الَّذى كان بينهم ، وإنّما المراد نفى سبب ذلك الاعتزاء ، يعنى أنكم تتعصّبون لأمر وهو الاعتزاء ليس لذلك الأمر سبب معروف ظاهر مقبول ولو عند الجهال فإذا لم يكن للاعتزاء سبب مقبول تكون سببيّته للعصبيّة أيضا سخيفة هيّنة ، فيكون تعصّبهم له بمنزلة التعصّب لا لعلَّة ، هذا . ولما ذكر اجمالا أنّ تعصّب كلّ متعصّب من العالمين فانّما هو علَّة مقتضية له أراد تفصيل ذلك الاجمال بالإشارة إلى بعض علل التعصّب الناشى من المتعصّبية فقال : ( أما إبليس ) اللعين وهو رئيس المتعصّبين والمستكبرين ( فتعصّب على آدم لأصله ) واستكبر عليه بشرف جوهره على زعمه لكونه مخلوقا من النار ( وطعن عليه في خلقته ) لكونه مخلوقا من الطين ، ففضل نفسه عليه قياسا للفرع على الأصل في الشرف والخسة ( فقال أنا نارىّ وأنت طيني ) فكانت علة تعصّبه أنه تعزّز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال . روى في الكافي عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ الملائكة يحسبون أنّ إبليس منهم وكان في علم اللَّه أنّه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحميّة والغضب ، فقال خلقتني من نار وخلقته من طين . وقد مرّ تفصيل الكلام في قياسه وبطلان قياسه في شرح الفصل الحادي عشر من المختار الأوّل وشرح الفصل الأوّل من هذا المختار الذي نحن بصدد شرحه ، من أراد الاطلاع عليه فليراجع الفصلين . ( وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم ) أي الأمم المترفة وهم الذين أطغتهم النعمة أو المتنعّمون الذين لا يمنع من تنعّمهم أو المتروكون يصنعون ما يشاؤن ولا يمنعون ( فتعصّب والآثار مواقع النعم ) .